Aja 1921
لـ حائل ...
سامريات للأمير ماجد الحمود الرشيد
عُرف الأمير ماجد الحمود العبيد الرشيد، بأمرين : فأولاً هو الحائلي الوفي، والوطني المخلص، الذي قدّم حياته في سبيل الوطن، وفاضت روحه الطاهرة على أرض المجد،  إذ استشهد في سبيل الدفاع عن حائل في معركة الصريف التي وقعت في 17 مارس 1901 م، وهي المعركة التي حققت فيها حائل إنتصارا ساحقا وبالغ الأهمية على الأعداء (مبارك الصباح، آل سعود، الربدي والشبيلي وأتباعهما من القصيم، وقبائل بدو شمال شرق الجزيرة العربية) وما كان ذلك الإنتصار المجيد ليحصل، لولا شبان حائل وعلى رأسهم الأمير ماجد، الذي هاجم الغزاة بضراوة وقتل العشرات من كبارهم، في ضحى ذلك اليوم الحائلي الظافر.
وأما الأمر الآخر الذي عُرف به الأمير ماجد، فكان شعره العاطفي الرقيق، ومقطوعاته السامرية المرهفة، وغزلياته الممتلئة بالوجدان والجمال. ورغم حياته القصيرة، إلا أنه كتب مئات القصائد والسامريات، وترك إرثا شعريا يعتبر الأضخم بين معاصريه من الشعراء. وعلى مستوى أسرة الرشيد (حكامنا الذين اخترناهم) يأتي الأمير ماجد في مرتبة متقدمة من حيث الرصيد الشعري المحفوظ، ولا يسبقه في ذلك إلا جدّه البطل والرمز الحائلي العظيم، الأمير عبيد العلي الرشيد.
ومن الأسباب التي أدّت إلى بقاء وحفظ شعر الأمير ماجد، أن معظم قصائده مكتوبة لتغنى وفق إيقاع السامري الحائلي المعروف، وهو ما يجعلها تتردد دائماً في المناسبات والسامريات، وتترنم بها الأمهات الحائليات في أعمالهن، وعندما يحملن أطفالهن الرضع في محاجرهن، ولا أبالغ إن قلت أن أول شيء يتكرر في أذن الطفل الحائلي حديث الولادة، هو أبيات من قصائد الأمير ماجد ومقطوعاته.
ومن الأسباب أيضاً، أن أسلوبه الشعري، كان مبتكراً، ومفرداته وقوافيه كانت ذات وقع جديد بالنسبة للمتلقين، كما أن معانيه وصوره الجمالية، تستطيع أن تحتوي القارئ والمستمع لأشعاره، حتى يكون في وسط المشهد وفي قلب الصورة، وكل هذا يأتي بقالب بسيط، وباستخدام مفردات بيضاء مفهومة، ورمزية شعرية سهلة.
ومن أشهر قصائد الأمير ماجد الحمود العبيد الرشيد، هذه السامريّة، التي تعتبر في المرتبة الأولى بالنسبة لـ سامري حائل الحديث. والأبيات كتبها الأمير ماجد، بعد أن حصل خلاف بينه وبين زوجته الأميرة صيتة المنديل * وهي من كبار عوائل الأحساء، والتي ذهبت إلى أهلها في الأحساء بعد أن نشب ذلك النزاع العائلي الذي لم يكن لا الأمير ماجد ولا الأميرة صيتة على علاقة به، فسبب الخلاف هو أن الأمير حمود العبيد الرشيد، طلب من إبنه ماجد أن يتزوج بـ الأميرة رقية المتعب الرشيد، وعندما علمت الأميرة صيتة بهذا الطلب، وبإن هناك إمكانية لـ أن يتزوج الأمير ماجد بزوجة ثانية، غضبت وتركته وذهبت إلى أهلها، رافضة مجرد فكرة مشاركة زوجها مع إمرأة أخرى. ومن جانبه أيضاً رفض الأمير ماجد رفضاً قاطعاً أن يتزوج بأي فتاة على صيتة. وفي السامرية التالية، أوضح موقفه الثابت من هذا الأمر، وأغدق فيها على صيتة كل ما تستحقه من أوصاف الجمال والكمال..  يقول الأمير ماجد الرشيد :
 

الله من ليلة ×××  عيّت1 عيوني تنام

سهران لين القمر ×××  عن منزله حوّلا 2

يا سالم إنهج 3 لأبوك ×××  واللي يجي (ما) هلا 4
........................... ×××   ...........................

يا دار وين الحبيب ×××   اللي سلامه 5 : هَـلا

عيّا 6 القمر لا يغيب ×××   حنّ الجمل واعولا 7 

عيّت جروحي تطيب ×××   من حب أبو ذبّلا 8

الراس مثل  الرّطيب ×××   من كثر ما يُعْملا

يُمْـشط بمسكٍ  وطيب ×××   والعنبري والهلا
والعين مثل الغدير ×××  
من كثر ما  تكحلا
........................... ×××   ...........................

(صيتة) عنود الخشوف ×××   أو هي بعيني حلا

(صيتة) وماله وصوف ×××   إلا ظبيّ  الفلا

العين عيّت تشوف ×××   والبيض ما تقبلا

والله لـ اركب كروش 9 ×××    ويقال : ماجد جَـلا 10

حبّه بقلبي يجوش ×××    لو ينغسل ما جَـلا

يمّ 11  القرايا لـ اطوف ×××   وأشرب من  الذبّلا

يمّ المعلّق ونُوف 12 ×××   وخشوم سلمى وأجا

يا مكرمين الضيوف ×××   يا دافعين البلا

لا تقطعون الشفوف 13 ×××   خوفوا من المعتلا

 
 
وفي النهاية، عادت الأميرة للأمير، وتصالحا رغم أنهما لم يتخالفا في الأصل، وتجاوزت تلك السحابة قلب الأمير المرهف، وعادت الأمور لمجاريها في منزلهما الصغير في حي برزان.
ومن القصائد الشهيرة أيضاً، للأمير ماجد، هذه السامريّة الحائلية التي يحفظها معظم أهل حائل، ولها لحن مميز، يعتبر (أو على الأقل أعتبره شخصياً) من أروع وأجمل الألحان السامرية، وسأبحث عن تسجيل صوتي لهذه المقطوعة، لإضافته.. تقول السامريّة :
 
 
يالله ألا يا والي الآمر ** يا مَسندي وإنتَ اللطيف

إنك تعاوني على الصبر** و زريع  قلبي لا يهيف 2

ونّيت ونة زلزلت مصر** وقصور مكة والشريف

عيّت 3  ذلولي تقطع 4 الجسر ** و صويحبي 5  يمّ 6 القطيف 7
 
سوانيٍ يسْنَن على العِسر ** سوّاقهن عقله خفيف

متى نشدّ ركايبٍ صفر ** عن هالمكان اللي يخيف

لي صاحبٍ خواتمه عشر ** يرجس 9 كما مُهرة شريف

أبو وُسيطٍ 10 ينهصِر 11 هَصِر ** وقذيلته ذيل العسيف 12

أبو جديلٍ ينشرَه نشَر ** ثوبه على متنه خفيف
 
 
.. بقي أن أشير إلى أنه في الآونة الأخيرة ظهرت مزاعم، بأن هذه الأبيات الشهيرة في السامريّة الثانية، تعود لشاعر نكرة من أهل سدير أو الوشم لم يسمع به أحد، وهو أمر غير مستغرب، في ظل نسبة الكثير من التراث الحائلي إلى مناطق أخرى كان أهلها قبل أقل من 90 سنة، يريدون قتل أجدادنا لأنهم يكتبون قصائد غزلية ويغنون السامري، ونراهم اليوم يزاحموننا على تراثنا بل وينسبونه إلى أنفسهم، وليس أدلّ على ذلك مما يسمى (العرضة السعودية !!!) أو (العرضة النجدية !!!)، وحقيقة هذه أوصاف بقدر ما هي مثيرة للإشمئزاز، فهي مضحكة، لأن فيها اعتقاد بأن العرضة ستختلس من التراث الحائلي ببساطة ! وهذا محال بطبيعة الحال.
والعارفون، يعلمون جيداً أن العرضة، فن حائلي بحت، وإن وجد في أماكن أخرى كالكويت وقطر على سبيل المثال، إلا أنه فن لم يكن معروفا على الإطلاق في الدرعية والخرج والرياض والقصيم وما حولها وما جاورها، كما يحاول الإعلام المسلوب و (الثقافة السعودية) أن يثبتوا ويدّعوا. ويهمّ أن نشير إلى أن العرضة الحائلية تختلف اختلافاً جذرياً عن العرضة المعروفة لدى أشقائنا في عسير وتهامة.
وليست العرضة هي اللون الوحيد الذي تجري محاولات استلابه، بل إن السامري، هذا الفن الحائلي العريق، تجري في العشر سنوات الأخيرة، محاولات لنسبته إلى وادي الدواسر !! باستخدام مهرجان الجنادرية البائس نافذة لهذا التزييف. فقد أعطي اسم (السامري) لأحد أنواع (الخبيتي) لكي يُمحى سامري حائل. وهذا الأمر لم يبدأ كما ذكرنا آنفاً إلا قبل عشر سنوات أو أقل قليلاً. وللأسف أن معظم شباب الجزيرة العربية من غير المهتمين بالتراث والتنوعات، باتوا يحملون صورة سمعية للسامري، تختلف عن السامري الحقيقي. وذلك بتأثير من  تلك المحاولات الجارية لسلب الروح الحائلية بسرقة تراثها التقليدي ومحاولة طمس نوعها الثقافي. وهو الأمر الذي تشكو منه كل مناطق الجزيرة العربية ما عدا نجد الوسطى والجنوبية !
ولكنه لن يستمر..
 
 
 
_______________________
الهوامش :
* الأميرة صيتة المنديل، عائلتها من كبار العوائل الحضرية في الأحساء (شرق الجزيرة العربية)، ووالدها هو الأمير هتيمي آل المنديل الخالدي، أمير العمور من بني خالد. وكانت علاقات أهل حائل مع أهل الأحساء آنذاك، متقدمة وعميقة الروابط، ففي الوقت الذي استقرت فيه كثير من عوائل الأحساء في حائل، بعد هجرة بني خالد الأولى من الشرق إلى كل من حائل ونجد الوسطى والحجاز والشمال في أوائل القرن الثامن عشر، فإن هناك أيضاً عدد من العوائل الحائلية، قد استقرّت في الأحساء والقطيف ونواحيهما منذ أزمنة متقدمة.
أنجبت الأميرة صيتة من الأمير ماجد، كل من : الأمراء عبدالله وسليمان. والأميرات نورة ومنيرة وجوزاء وطريفة.
 
- السامرية الأولى :
1. عيّت : رفضت.
2. حوّلا : من "حوّل" أي : نزل.
3. إنهج : إذهب.
4. ما هلا : أي "ليس أهلاً بمن يأتي"، والأمير ماجد هنا يتحدث عن رغبته في الإختلاء بنفسه، فيأمر أخاه سالم بالشطر الأول بأن يذهب إلى أبيه، ويتركه بحاله، ويقول له : قل أيضا لمن يجيء "من الأصدقاء والضيوف" (ما هلا). وهذا يأتي على سبيل المبالغة الشعرية في وصف الرغبة بالإختلاء بالنفس، ولا شيء أكثر مبالغة من أن تقول للضيف في حائل : (ما) هلا ! والأمير هنا عندما ينفي كلمة (هلا) التي تستخدم للترحيب بوضع (ما) النافية قبلها، وكأنه يريد أن يقول أنه لم يجد كلمة في المفردات الحائلية كلها، يمكن أن تعبّر عن حالة (عدم الترحيب) فاضطر إلى نفي كلمة هلا، كنفي للترحيب، وهو أبسط أنواع إشتقاق المعاني، أي أن تنفي المعنى ذاته لتحصل على نقيضه، وهذا لا يلجأ إليه الرجل العادي فضلاً عن الشاعر إلا عندما لا يجد مفردة تعبّر عما يريد من معنى مناقض، فيضطر في الأخير إلى مجرد نفي المعنى الأصلي ليحصل على النقيض. ويمكن أن نقول بعد كل ذلك أنه وبالإستدلال ببيت الأمير ماجد، نثبت أن المفردات الحائلية كلها، لا توجد فيها كلمة تعبّر عن رفض الترحيب بـ من يأتي
 !.
5. سلامه : تحيته.
6. عيّا : رفض.
7. أعولا : توقف عن المسير.
8. ذبّلا : الجفون الذابلة
.
9. كروش : إسم الفرس الشهيرة التي كان يملكها الأمير عبيد العلي الرشيد، وطلبها منه السلطان عبدالحميد الثاني، ورفض أن يعطيها إياه وكتب فيها الأمير عبيد قصيدة شهيرة، مطلعها : "يا بيه أنا لـ كروش ما اعطي ولا ابيع".
10. جلا : ترك البلاد.
11. يمّ : إلى.
12. المعلق ونوف : مواقع جبلية بجوار حائل.
13. الشفوف : ومفردها الشف أي الرغبة والأمل.
 
- السامرية الثانية :
1. زريع قلبي : تصغير زرع، وتعني "بستان قلبي".
2. يهيف : يضيع ويُفقد.
3. عيّت : رفضت.
4. تقطع : تتخطى.
5. صويحبي : صاحبتي وحبيبتي.
6. يمّ : ذاهبة إلى / مستقرة في
7. القطيف : المدينة المعروفة شرق الجزيرة العربية.
8. سواني : الجمال التي تستخدم لإخراج المياه من الآبار.
9. يرجس : صوت الذهب في اليدين والرقبة وعلى الصدر.
10. وسيط : خصر.
11. ينهصر : ينضغط أي منضغط. وهصر : ضغط.
12. العسيف : الخيل.
 
.
.
[ مادة خاصة تنشر لأول مرة فقط على هذه المدونة ] R.Q


أضف تعليقا

اضيف في 12 ابريل, 2008 07:27 م , من قبل hail0088 said:

سلمت يداك اخي الكريم وكل الشكر لك على هذا المجهود المتميز

اضيف في 13 ابريل, 2008 06:43 ص , من قبل بشير السرعوفي said:

اخي الكريم: أجا
اشكرك على جهودك الكبيرة في حفظ التاريخ الحائلي
لي تعقيب بسيط اذا سمحت لي وهو انك ذكرت ان وفاة الامير ماجد الحمود في معركة الصريف!!
,حسب معلوماتي ان الامير ماجد استشهد في معركة البكيرية عام 1322 والدليل ان ماجد بعد المعركة وانتصار حائل رد على قصيدة سلطان الدويش بقصيدة مطلعها:
اهلا هلابك يوم دار الكيف
قرة عينك بالظفر
اسقيك ماجوبك بحد السيف
شلف(ن) يفجن النحر..الى اخر القصيدة
وقد قال الملك عبدالعزيز عندما علم بوفاة ماجد بالبكيرية (خاب قوم فقيدتهم ماجد) وذلك لانه كان معجب بماجداً رحم الله الجميع
اما الذين استشهدوا من ابناء الامير حمود في الصيف فهم مهنا وسالم
ارجو ان اكون قد وفقت في هذا التعقيب ومرة اخرى اشكرك على جهودك ويسعدني التواصل معك

اضيف في 16 ابريل, 2008 01:53 م , من قبل Aja1921 said:

الأخ العزيز hail0088
العفو.. وشكرا لمروركم وتعليقكم.

---
الأخ العزيز بشير..
صدقت فيما ذهبت إليه، فهناك رواية تقول بالفعل أن الأمير ماجد قتل في معركة البكيرية عام 1904 ، ولكن أيضاً تقول رواية أخرى، وهي التي استندت عليها هنا، أن الأمير ماجد، أصيب في الصريف، وتوفي بعد المعركة بأيام قليلة. وقد ذكر الأمير ضاري الفهيد الرشيد، في نبذته التاريخية، أن ثلاثة من أبناء حمود العبيد قتلوا في الصريف، ولم يسمّهم، وكذلك لم يذكر ضاري شيئاً عن مقتل الأمير ماجد في معركة البكيرية. وقد استندت في ترجيح هذه الرواية، على سماعها من أحد كبار السن، وقد ذكر بنفسه الرواية الثانية، أي رواية مقتل ماجد في البكيرية ولكنه كان يميل إلى كونه توفي حائل بعد ثلاثة أو أربعة أيام، من معركة الصريف. وذكر في هذا الشأن أبيات، لم أحفظها للأسف، من الأمير ماجد لوالده الأمير حمود العبيد. وكذلك ذكر أبيات للأمير حمود يُفهم منها أن الأمير حمود فقد كل من ماجد ومهنا وسالم في الصريف.

شكراً لتوضيحك الهام وآمل أن تتواصل معنا دائماً في هذه المدونة البسيطة، لجمع كل ما نعرفه عن مدينتنا وأهلنا.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية